ديزيريه كوستيرز 26/1/2026 | ترجمة إلى اللغة العربية من اللغة الهولندية: الدكتور أسعد جابر
لم تصدق مَيْس أنها تجلس هناك منتظرة على مقعد مغطى بالبلاستيك محاطة بعدد من العائلات. حتى الآن لم تسمع أحداً يتكلم الهولندية.
“الرقم سبعة وتسعين“، صاحت امرأة بالعربية.
“الرقم 97″، كرر رجل كان واقفاً إلى جانبها.
مَيْس كانت يدها في جيب بنطلونها. كانت تشعر بشيء من الدفء فلَم تُرِد إخراج يدها الممسكة بمُجسّم صغير لقطة سوداء، بيضاء الياقة والقوائم، لقد كانت تمسّدها بلُطف. الرقم 97 كان هذا هو الرقم المطبوع على ورقة على ركبتها، إذن هذا رقمها. رفعت يدها عالياً ووقفت. مرة أخرى قالت المرأة شيئا بلغة لا تفهمها.
“أهلاً وسهلاً في مكتب اللاجئين، أنا ياسمين المسؤولة عن ملفّك وهذا هو المترجم”. هذا ما قام بترجمته الرجل الواقف إلى جانبها.
عندما انتهت المرأة كلامها توجهوا نحو غرفة في ممر طويل. شعرت مَيْس بأن ساقيها ترتجفان. إذن هذه هي المرأة التي سوف تقرر مسار حياتها. السيدة ياسمين كانت شابة، لم تكن أكبر من مَيْس التي بلغت أل 32 عاماً. على النقيض منها كان المترجم مُسِنّاً، لمحت أن نظارته كانت مائلة فوق أنفه. تحت حاجبين كثّين لذا عليها مخاطبته: حَضْرِتَك. لا بد أنه واحد من الأشخاص الذين كانوا قد عاشوا في أوروبا قَبْل عَوْدتهً، حدست مَيْس. ساروا نحو غرفة بيضاء الجدران وطاولة ثلاثية الشكل وكرسي. جلس كلّ في مكانه.
“هل تريدين ماء إضافياً قبل أن نبدأ؟” سألها المترجم.
“لا, شكراًً” أجابت مَيْس.
“بإمكانك الجلوس هناك” قالت عبر المترجم “اهلاً وسهلاً بك مرة ثانية في المكتب. سوف تتم المقابلة على عدة مراحل. نبدأ بمعلومات شخصية ثم نتناول مسار حياتك وسفرك وبعدها يمكنك إخباري لماذا لا تستطيعين العودة إلى بلادك.”
—
“أُنثى ؟ ”
“نعم”
“وُلِدت في 20 مارس 2003”
“نعم”
“لَسْتِ متزوجة”
“لا”
“جنسية هولندية ؟”
“نعم”
“أي اللغات تُجيدين؟”
“الهولندية والفرنسية والبُرتغالية”
“هل بدأت بدراسة العربية؟”
“تابعت في المركز بضعة دروس وكنت أشاهد أفلاما قصيرة عبر الإنترنت”
كان للمحادثة شكل لعبة تنس الطاولة حيث الطابة هي اللغة التي تتغير عند ملامستها للطاولة.
“أخبريني، ما هي الأماكن التي سكنتِ فيها؟ بالترتيب الزمني من فضلك.”
“وُلدت في مدينة ليدن وسكنت هناك حتى أل 18 من عمري مع أخي وأمي. ثم انتقلت للعيش لوحدي. بعدها سكنت في بروكسل حتى مغادرتي.”
“ووالدك؟”
“توفي عام 2011 في حادث سير.”
ألقَت ياسمين نظرة على الأوراق التي على الطاولة بهدف التأكد من صِحّة المعلومات.
“ماذا درستِ؟”
“العلوم السياسية”
“في أي سنة تخّرجت؟”
“2028”
استمعت مَيْس إلى ما كرّره المترجم لياسمين دون أن تفهم شيئا. لكنه يترك انطباعا بأنه جديّ ودقيق. عندما نظرت إلى ملاحظاته التي لم تكن مقروءة وتشبه خرابيش الدجاج.
“ما هو العمل الذي قُمت به؟ “
“تسجيل صوتي للقصص، الأدب.”
“أليس هذا بعيداًً عن العلوم السياسية؟”
“صحيح. قليلاً، إذ كلما كانت الأوضاع سوداوية، كنت أهرب إلى القصص. وهناك كثيرون مثلي. ذلك أني تمكنت من العيش باستقلالية عبر تسجيلها على وبيعها في حيّنا كماف MP3 .
هدأت مَيْس قليلا بينما كان المترجم مشغولاً بالترجمة و ياسمين بالطباعة على اللاب توب.
ثُم أضافت:”ربما كان الأمر فظيعا إذ أني التجأت إلى الخيال قبل أن أُجبِر جسمي على عمل الشيء ذاته.”
لجزء من الثانية حَوّلت ياسمين بصرها من الطباعة نحو مَيْس رافعة حاجبيْها. مَيْس فهمت من تعابير وجه ياسمين وكأنها قالت شيئا مثل أخيرًا جاء دوركم .
“أوكي، متى بدأت في ذلك العمل؟”
“2031”
“وبين 2028 و 2031؟”
“عندها عملتُ في تحريىر صحيفة آراء أسبوعيّة.”
“صحيفة آراء ذات مضامين سياسية أو اجتماعية محدّدة؟”
“كان ذلك لفترة قصيرة. كنت أبحث عن عمل وفي تلك الصحيفة وجدت عملأ لي.”
للمرة الثانية رفعت ياسمين حاجبيها تجاه مَيْس التي بدورها ألقت نظرة حائرة على ياسمين تُراوح بين ايحاءات لقرابة بعيدة وأمل غير موجّه فيما كانت تنظر إلى المترجم الذي كان يكرر ترجمة ما قالته.
“حاولي الإجابة على السؤال بشكل مباشر، هل كانت صحيفة الرأي ذات ميول محددة؟”
“توجُّه يساري.”
“هل كنتِ في يوم ما عضواً أو متعاطفة مع مجموعة اجتماعية أو حِزبيّة؟”
“كلا، كنت دائماً بعيدة بقدر الإمكان.”
لكي نقطع الشك باليقين كانت مَيْس قد أجابت بالنفي. في بداية المقابلة كانت يديْها في جيب بنطلونها ليس بسبب القطة فقط بل لأنها كانت تجدأنّ يديها قد أصبحتا بشعتين إذ أنها بدأت في قضم أظافرها وكان ذلك بعد تركيا. كانت تخجل لذا كانت تخفيهما بقدر الإمكان.
“هل كان أحد من أعضاء عائلتك عُضواً أو متعاطفاً مع مجموعة سياسية أو اجتماعية؟”
“نعم، أخي. كان قد انضمّ إلى (المُخلِّصون الهالكون) إنه يختلف..إنه ..”
رفعت ياسمين يدها قائلة: “هذا يكفي للآن. سوف نستمر حالاً في قصتك الشخصيّة. هل كان أحد من عائلتك غير أخوك عُضوا في حزب ما؟”
“كلا، فقط هو.”
“أين تسكن عائلتك؟”
“أخي يسكن في بروكسل في الحيّ سِنت يوسْت ووالدتي تسكن في قرية صغيرة في وسط البُرتغال.”
“هل يُمكنك إخبارنا عن الحالة الأمنية في بروكسل قبل مغادرتك؟ مثلاً مَن كان المُسيطر في حَيِّك، وما هي التطورات التي حدثت؟”
“عندما جئت إلى بروكسل شعرت بالارتياح. هناك تنوّع بشري ولغوي. لقد وجدت الحرية التي لم أجدها في مكان آخر. بسرعة كوّنت أصدقاء الذين أخبروني عن أدباء من بلدانهم مما حفّز اهتمامي لقراءة كتاباتهم.”
مرة أخرى رفعت ياسمين يدها: “من فضلِك، أرجو أن تركّزي على الحالة الأمنية في بروكسل، لاحقاً يمكنك تقديم روايتِك.”
“منذ لحظة مغادرتي قامت ميليشيا (لِنكَنار) اليسارية بالسيطرة على الحيّ. كانوا قد انتزعوا السيطرة على الحيّ قُبَيْل مواجهات 2023، من (السيفيَر بويز) وهم أعضاء في المخلِّصون الهالِكون. كنت أسكن على الحد الفاصل بين الحيين سخار بيك وسينت يوست أقرب إلى سخار بيك. السيطرة في الحيّ المجاور كانت للمخلّصين الهالكين التي كان أخي عضواً فيها. بين هذين الحيين كان هناك حاجز تفتيش بالقرب من كنيسة سينت مارِيا. كانوا قد استولوا على الكنيسة واقاموا في الساحة القريبة حاجزاً للتفتيش. ومن شارع روخيرلان كانت منطقتنا. المساحة بين هاتين المنطقتين كان خالية”
أشار المترجم بأن عليها الانتظار لحظة إلى أن تنتهي ياسمين التي سألت “هل كانت هناك مواجهات دائمة بين الفريقين؟”
“نعم، طبعا وبشكل دائم. أشدها كانت عام 2032، عندما استعادوا المنطقة من المخلّصين الهالكيًن. حتى تلك اللحظة كنتُ أسكن مع أخي في المنطقة التي فيها أصبح المخلّصون هم المسيطرون. عندما استعادها ميليشيا اللينكنار بقيت ساكنة في المنطقة أما أخي فانتقل إلى سينت يوست مع أعضاء الميليشيا.”
ياسمين بحزم: “هذا يكفي للآن. لاحقا يمكنك أن تروي أكثر. الآن حول سفرك.”
“من بروكسل سافرت إلى أثينا ثم إلى إسطنبول. القسم الأول من السفر كان عبرَ مهربين بواسطة شاحنات مختلفة. ومرّة واحدة غيّرت وسيلة النقل.”
“متى تركتِ بروكسل؟”
“في 24 مارس 2034.”
“متى وصلت أثينا؟”
“12 إبريل 2034.”
“ومتى سافرت من أثينا إلى إسطنبول؟”
“13 إبريل 2034.”
“ومتى من إسطنبول إلى هنا؟ “
“بعد ذلك بيوم 14 إبريل. لقد نمت في المطار.”
“ماذا كانوا ينقلون في الشاحنات التي هُرِّبتِ فيها؟”
“لا أعرف. كل شيء كان في الصناديق. حتى نحن اختبأنا في صناديق. أظن أدوية.”
“لماذا تظنين أنها كانت أدوية؟”
“أدوية، مخدّرات، لا أعرف. كنت قد سمعت أيضا عن سلاح، ادوية ومخدرات. قبل اندلاع العنف كانت هناك تجارة بالمخدرات في بروكسل. كان هذا شيئاً معروفاً. استولت الميليشيات في أحيائهم على الإنتاج والتصدير.”
“كيف بدأتِ التحضير للسفر في بروكسل؟ أخبريني بالتحديد بقدر الإمكان؟”
“كنت قد اتفقت مع مهرِّب تعرفت عليه عبر شخص آخر في لِنكَنار. امرأة تركية تتحدث الفرنسية. أخبرتها بأني أريد الهرب. هي اتصلت في فرانكفورت في ألمانيا وأخبرتني بأن ذلك ممكن عبر الانتقال من شاحنة إلى أخرى وأخيراً الوصول إلى أثينا.”
“أينَ استبدلتِ الشاحنة؟”
“في الليل اسْتُبْدِلَت الشاحنة بأخرى على مقربة من القناة. بنفس علوّ (تور وتاكس) في بروكسل. لم أعد أعرف اسم الشارع. انها في منطقة في الضفة الثانية من القناة التي احتلها (الحلفاء) وهو تحالُف بين عدد من المنظمات الإسلامية البراغماتية ذات الايديوليجيات المعتدلة. أحيانا هم ينظمون عبر منطقتهم تهريب أسلحة، غذاء، أشياء أخرى وأحيانا يتعاونون مع المهربين طبعا لقاء دفع مبالغ للينكينار أو للمخلصين الهالكين وذلك حسب الأحياء التي يأتي منها اللاجئون الذين يريدون مغادرة بروكسل بالشاحنات.”

منظر لمدينة بروكسل من القناة، حيث ركب ميس الشاحنة
كانت ياسمين تطبع بسرعة ومع أنها صارمة ومتشددة إلا أن مَيْس وجدتها عابثة مظهرا ببلوزتها البنفسجية و ببنطلونها الليفايْس جينس.
“هل سافرت لوحدك؟”
“نعم مع أني لم أكن الوحيدة إذ كان هناك الكثيرون من بروكسل لكن الأكثرية كانوا من الألمان.”
“كم كلّفك السفر؟”
“ألفين.”
“ألفين ماذا؟”
“يورو.”
“كيف تمكنت من دفع كل ذلك؟”
“كنت قد وفّرت.”
—
“الآن سوف ندقق في وثائقك. هل هذا هو جواز سفرك الوحيد؟ هل سافرت به من بروكسل إلى أثينا ثم إلى إسطنبول؟”
“نعم، ولكن بين بروكسل وأثينا كان بواسطة المهرّب الذي ما اهتمّ بجواز السفر وإنما بالنقود. فقط في أثينا احتجته لكي أشتري تذكرة سفر إلى إسطنبول.”
“وهل حجزت التذكرة بنفسك؟ كيف فعلت ذلك؟”
“نعم، حجزت عبر الإنترنت. والفاتورة بواسطة فلاشة بشكل ( بي. دي. إف).”
“كيف تمكنت من دفع كل ذلك؟”
“أيضا من توفيري.”
“لقد وفّرت الكثير عبر تسجبل صوتي للأدب. هل كان ذلك لهذه الدرجة مُربحاً؟”
“حقاً لقد وفّرت الكثير من تسجيل الروايات ولديّ هنا أوراق بالإقرار الضريبي لثلاث سنوات خَلَت، وذلك قبل أن أبدأ ببيعها على شكل ( إم. بي. دْري.).”
أخرجت مَيْس يدها من جيب بنطلونها ومدّتها إلى حقيبتها التي على الأرض. أخرجت منها ملفّاً يحتوي على وثائق.
“ها هي أيضاً شهادتي من الجامعة وعقد عملي عند صحيفة الرأي لقد جمعت كافة وثائقي في هذا الملف وأخذتها معي عندما غادرت.”
“وما هي هذه السكرين شوتس؟” سألت ياسمين.
أشارت مَيْس إلى المجموعة الأولى من لقطات الشاشة المطبوعة والمربوطة معا بمَشْبَك قائلة: “هذه رسائل التهديد من أشخاص كانوا يعارضون عملي في تسجيل الأدب. ثم أشارت إلى المجموعة الثانية :” وهذه هي مراسلاتي التي تبادَلْتُها مع المهرّب حول هروبي.”
“وماذا عندك أيضا؟”
“على هذه الفلاشة هناك تسجيلات صوتية للروايات التي سجلتها وبِعتها.”
“هل عندك أشياء أخرى؟”
“كلا.”
“حسناً. ناخذ استراحة عشر دقائق.”
الإثنان رافقا مَيْس إلى المكان البارد حيث كانت تنتظر في البداية. المكان الذي فيه المقاعد المغطاة بالبلاستيك ليسهل تنظيفها. إنها ذات ألوان ناعمة لطيفة ذات ذوق هابط مرعب. تركاها هناك لوحدها تفكّر في إجاباتها و إذا كانت حتى الآن مقنعة. بعد عشر دقائق جاءت ياسمين والمترجم لإصْطِحابِها الوقت.
—
بعد أن جلسوا قالت ياسمين: “الآن عندك كل الوقت لتخبريني بقصتك. امنحي المترجم الوقت الكافي من حين إلى آخَر ليقوم بالترجمة.”
“وعليه، وكما قلتُ فإن المنطقة التي سكنت فيها تقع على حدود منطقة الميليشيا الأخرى. في كل منطقة كانوا هم المسئولين عن كل شيء: بِدءاً من الطعام، ومروراً بالملابس ووصولاً إلى التأمين الصحي وأيضاً المخدرات والسلاح. وأيضا الثقافة التي اسميها انا دعاية أي البروباغندا. لم يفعلوا ذلك لوحدهم فقد دعمتهم قوى خارجية. فالمخلّصون الهالكون كانوا يتبعون لتعاونية المخلّصون العالمية التي تتبع لنصف الكرة الأرضية الغربي (هيميسفير). أما ما يشغل بالَهُم فهو معارضة محو مجد الحضارة الأوروبية وذلك عبر مضايقة المهاجرين وشنّ غزوات عليهم. أما اللينكانا فتدعمهم المجموعات الأخرى في الخارج وأعني دُوَلاً أوروبية أخرى وأيضاً شمال إفريقيا والشرق الأوسط. إنهم…”
قاطعتها ياسمين: “نحن على بيّنة مما يدور في بروكسل. ما عليك إلاّ أن تخبرينا عن نفسك.”
“آه، أوكي. كان الهدف من تسجيل القصص ومن ثم بيعها هو التعريف بالآخرين و بالمهاجرين، أنسنتهم للجمهور العريض. لم يدعمني اللينكنار بشكل رسمي لكنه تغاضوا عنّي وتسامحوا لأني كنت أبيع في السوق السوداء. كنوع من الاحتجاج كنت كثيرا ما أقرأ قصصاً لأدباء من بلاد أخرى. قرأت مثلا لسارامانغو وكونديرا وكنفاني، اعني أعمالا مترجمة. وقرأت أيضاً لأدباء هولنديين مثلا سْبِت ومارتينوس أريون وطبعاً لن أنسى رومبر. كثير من هذه الكتب لا يمكن الحصول عليها في بروكسل… معليش!”
رفع المترجم يده، صمتت مَيْس فيما تابعت ياسمين طباعة ما سمعته من المترجم. تساءلت مَيْس: هل يعرف المترجم هؤلاء الأدباء أو كتبهم؟! لو كان الأمر بنعم، لقوي تعاطفها معه. لكن ذلك لم يظهر على ملامحه. أشارت ياسمين بأنها تستطيع الاستمرار.
“بدأ ذلك عندما سمعتُ من معارفي ومن أصدقائي بأن ما أقوم به من قراءة لأدباء أجانب هو تنكُّر لثقافتي. بعدها اتهموني بأني أقوم بالدعاية لأعمال حظرتها الرقابة وكما قلت سابقا كان بإمكاني أن أعيش من عملي. فسجلت الروايات بصوتي وكان بإمكان الجميع شراءها. وحقاً كان هناك الكثيرين الذين وجدوا في عملي أهمية. ولكن في لحظة معينة بدأت تصلني رسائل تهديد. وكان في بعضها بأنه عليّ أن أتوقف وإلاّ… وبعضها اتهمني بالخيانة. وبأني أبذل جهدي لمصلحة الجهة الخطأ أي للنُخبة اليسارية. ربما تكون مفردة مثقف عندنا ليست مدحاً. وهناك في لقطة شاشة التي أعطيتكم نماذج من ذلك. ثم بدأوا بإعطائي مواد من عندهم لأقوم بتسجيلها فرفضتُ. كان أخي يحتل مكانة مرموقة عند المخلّصين الهالكين، مع أني لا أعرف ما هو مركزه تحديداً. كان عنده عدد من الرجال تحت إمرته وكانت عنده وزن.”
توقفت مَيْس لتفسح المجل لياسمين لتطبع ما ترجمه المترجم. بخفّة أخرجت القطة الصغيرة من جيب بنطلونها. نظرت إليها فيما ياسمين تقوم بالطباعة فلم تلحظها.
“عندها مرضت أمي في البرتغال. أخي وأنا وصَلَنا كل واحد منّا عبر قنواته بأن أمّنا على فراش الموت وبأن أمنيتها أن ترانا مرة أخرى. بالنسبة لي كان السفر إلى البرتغال ممكنا لأني كنت قد زرتها في السنوات الماضية مرات كثيرة. وجواز سفري الذي أعطيتكم إيّاه مع الوثائق يضم كافة تأشيرات سفري إلى البرتغال. لكن البرتغال هي جزيرة مستقلة في أوروبا، كان لها بعض الشكوك حول خلفية أخي مما يعني عدم حصوله على تأشيرة، وهذا ما فهمته من أمي عندما قُمت بزيارتها.”
كرر المترجم ما قالته مَيْس التي أعادت القطة إلى جيب بنطلونها.
“ماتت أمّنا دون أن يقدر أخي على رؤيتها. وهذا ما جعله ينقُم عليّ. عندما رجعت وجدت شقتي رأساً على عقب. انتُزعت أشياء كثيرة. لا بُد أن يكون ذلك بأمر من أخي ذلك أن الكثير من الأشياء التي أُتلِفت كانت ذات أهمية عندي مثل بعض الكتب أو بعض التذكارات ذات القيمة العاطفيّة لديّ. لوحات وُضعت في الموقد في وسط الشقة محترقة. كانت عندي لوحات بالغة الجمال. في الثلاجة وجدت رسالة تهديد وأنه عليّ مغادرة المنطقة خلال 24 ساعة. لم يُذكر أي سبب لذلك، لكنها كانت موجّهة لي بشكل شخصي مع ذكر اسمي مُرفقاً بشتائم و ممهورة بختم المُخلّصين. أنا لستُ شُجاعة لكني لستُ جبانة أيضاً. لقد سُدّت أمامي الطُّرُق عندما وجدت شقّتي وما حلّ بها. لقد كان ذلك يفوق جميع توقعاتي. عندها قرّرت الاتفاق مع المهرّب.”
—
ياسمين: “عندي بعض الأسئلة الإضافية إذا لم يكن لديك مانع.”
“حسناً.”
“ألَم تسكني في سخاربيك التابعة للينكَنار ؟ كيف تمكن المُخلّصون من الوصول إليك؟”
“أولا هددوني عبر الأنترنت بعدها وضعوا في صندوق بريدي ولاحقوني في الحيّ، على الأقل هذا ما ظننته. وأخيرا ما حدث في شقّتي. الشُّبّان المُخلّصون لديهُم بصّاصون في كل مكان.”
“بَصّاصين؟”
“نعم هكذا كان اسمهم. هم نوع من الجواسيس الذين يجمعون المعلومات من الحي وينقلونها. وكنت قد سمعت أن للبصاصين مهامّاً يدوية كنقل الرسائل أو توزيع رسائل التهديد.”
“هل كان هناك ايضاً بصّاصين للينَكنار في سينت يوست؟”
“أعتقد ذلك.”
“قُلتِ إنك تواصلت مع المهرّب عند اللينكَنار، كيف أمكنَ ذلك؟”
“اللينكَنار يعملون مع الحُلفاء عندما يجب نقل مسافرين.”
“ماذا تعنين عندما قُلتِ بأن أخاك كان مُختلفاً؟”
تنهدت مَيْس عميقاً وقالت: “أقصد إنه يستصعب قبول إن والدنا مات في حادث سير. ولديه مشاكل مع العُنف. لقد كان ثائرًا بدون قضية فوجدها عند انضمامه إلى المخلّصين الهالكين عام 2028. أخيراً انتقل معهم إلى سينت يوست ولم يرجع مطلقاً. لكنه كان يُراسل أمّي سِرّاً قبل هروبها إلى البرتغال. أظن أن ذلك كان يتمّ بواسطة أحد البصاصين. وطبعاً لم يكن بإمكانها الرد على رسائله.”
“هل اتصلت بأخيك شخصيّاً بعد مغادرتك؟”
“كلا.”
“كُنتِ قد قُلتِ إن والدتك قد هربت إلى البرتغال من قبل وأنك كنت تزورينها كل سنة. لِمَ لم تبقِ هناك عندما أخذت الأحوال تُصبح أكثر خطورة في بروكسل؟”
“منذ توقفت عن العمل في صحيفة الرأي عام 2031 لم أسافر إلى البرتغال لأني وجدت أن السفر مجازفة كبيرة. في السنوات السابقة لم أطلب حماية في البرتغال لأني كنت أريد أن أساعد في تغيير الأوضاع في بروكسل. وفي المرة الأخيرة لم أفعل ذلك لأني لم أرِد البقاء هناك بدون والدتي. أرجو أن تفهميني أن بروكسل بالنسبة لي كانت أوّل بيت حقيقي. لذا كان صعباً عليّ تركها بهذه البساطة. كنتُ آمل أني وأخي سوف نتصالح، لكن هذا الأمل قد تلاشى.”
تطلعت ياسمين خلسة إلى مَيْس للمرة الأولى علّها تستشف من تعابير وجهها أشياء مخفيّة، لكن ذلك لَم يُضِف شيئا جديدا.
“مِمَ تَخشين إذا عُدتِ؟” سألتها ياسمين أخيراً.
“أخشى من أن يقوم شباب المخلّصين باختطافي وتعذيبي أو قتلي. هذا ما يقومون به بشكل دائم مع الأشخاص الذين يختطفهم البصّاصون. أخي كان غاضباً جداً منّي لكن عليه أن لا يوجّه حزنه إليّ . إنه يُموِّه حِقده تِجاهي أمام المخلّصين على أنه اشمئزاز سياسي فيقوم بإرسالهم خلفي. لم أرغب في ترك بيتي. إني أشمئز مما يحدث هناك. لقد تسبب ذلك في تمزيق عائلتنا. لقد جئت إليكم طالبة أن تمنحوني بيتاً جديداً. أعرف أني سأبدأ هنا وحيدة لكني آمل أن أتمكن من الحياة هنا.”
—
“حسناً. لقد وصلنا إلى نهاية المقابلة، إلا إذا كان لديك ما تُضيفيه.”
“كلا، شكرا لاستماعكم.”
“حسناً. سوف يقوم مكتب اللاجئين على أساس هذه المقابلة والوثائق الأخرى، باتخاذ قرار بالنسبة لطلبك اللجوء. إذا كان الجواب إيجاباً فستحصلين على وضع مُقيمة. أما إذا كان سلباً فيحق لك إما العودة طوعاً أو الطعن في القرار.”
نهض الثلاثة ورافقاها من أمام المقعد البشع إلى الخارج. ما إن كانت في الخارج تحت الشمس المحرقة، حتى أخرجت القطة السوداء من جيب بنطلونها. لم تقل لها شيئا وتابعت سيرها.

منظر لجنوب بروكسل، المنطقة الحدودية بين الميليشيات

أضف تعليق